فصل: (مسألة:حكم التأمين)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي



.[مسألة:استحباب التعوذ]

ثم يتعوذ قبل القراءة، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وقال النخعي، وابن سرين: يتعوذ بعد القراءة. وبه قال أبو هريرة.
وقال مالك: (لا يتعوذ إلا في قيام رمضان بعد القراءة).
وقال الثوري: يتعوذ قبل القراءة، ولكن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم.
وقال الحسن بن صالح: يقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم).
دليلنا: ما روى أبو سعيد الخدري: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يتعوذ قبل القراءة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
فإن كان في صلاة يسر بها.. أسر بالتعوذ. وإن كان في صلاة يجهر بها.. فقال الشافعي في "الأم" [1/93] (كان أبو هريرة يجهر به، وابن عمر يسر به. وأيهما فعل.. جاز) وظاهر هذا: أنهما سواء.
وقال في " الإملاء ": (السنة: أن يجهر به.).
فقال الشيخ أبو حامد: فيه قولان.
أحدهما: أنه مخير فيه بين الجهر والإسرار.
والثاني - وهو الصحيح -: أنه يجهر به؛ لما روي في الخبر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يتعوذ قبل القراءة». فلولا أنه جهر به.. لما سمع منه.
وقال أبو علي الطبري: السنة: أن يسر به؛ لأن السنة: الجهر للقراءة أو التأمين، دون غيره من الأذكار.
ويستحب ذلك في الركعة الأولى، وهل يستحب فيما سواها؟ فيه طريقان:
الأول: من أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: يستحب في كل ركعة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] وهذا يريد القراءة.
والثاني: لا يستحب إلا في الركعة الأولى؛ لأنه ذكر شرع قبل القراءة، وبعد الافتتاح، فلم يسن في غير الأولى، كدعاء الاستفتاح.
والطريق الثاني منهم من قال: يستحب في كل ركعة، قولا واحدًا، وإنما في الأولى أشد استحبابا.
فإن قلنا: يستحب في الأولى لا غير، فنسيه فيها.. أتى به في الثانية، ومتى ذكره..
أتى به في ابتداء القراءة، فمتى تركه ناسيا، أو جاهلًا أو عامدًا.. لم يكن عليه إعادة، ولا سجود سهو.

.[مسألة:قراءة الفاتحة]

ثم يقرأ فاتحة الكتاب، وهي فرض في الصلاة، فإن تركها عامدا مع القدرة عليها.. لم تصح صلاته، وإن تركها ناسيا.. ففيه قولان:
أحدهما: قال في القديم: (يجزئه) لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ترك القراءة في الصلاة، فقيل له في ذلك، فقال: (كيف كان الركوع والسجود؟) قالوا: حسنا قال: (فلا بأس به).
والثاني: قال في الجديد: (لا يجزئه) وهو الأصح؛ لأن ما كان واجبًا في الصلاة.. لم يسقط بالنسيان، كالركوع والسجود.
هذا مذهبنا.
وقال الحسن بن صالح، والأصم: لا تجب القراءة في الصلاة.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: (القراءة واجبة في الصلاة، إلا أنها لا تتعين).
واختلفوا فيما يجزئه منها، فالمشهور من مذهبه: أن الواجب آية، إما طويلة، أو قصيرة، وروي عنه: (ما يقع عليه اسم القراءة).
وقال أبو يوسف، ومحمد: إن قرأ آية طويلة، كآية الكرسي، أو آية الدَّيْن.. أجزأه، وإن كانت قصيرة.. لم تجزئه إلا ثلاث آيات.
دليلنا: ما روى ابن عمر قال: «سأل رجل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أيقرأ في الصلاة؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو تكون صلاة بلا قراءة؟!».
وروى عبادة بن الصامت: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب».
وروى الشافعي بإسناده، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا تجزئ صلاة لم يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب».

.[فرع: قراءة البسملة]

ويجب أن يبتدئها بـ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] وهي آية منها، بلا خلاف على المذهب.
وهل هي آية من أول كل سورة غير براءة؟
الظاهر من المذهب: أنها آية من أول كل سورة غير براءة؛ لأن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أثبتوها في أول كل سورة غير براءة، ولم يثبتوا بين الدفتين غير القرآن.
ومن أصحابنا من يحكي فيها قولا آخر للشافعي، وبعضهم يحكيه وجهًا لبعض أصحابنا: أنها ليست بآية من أول كل سورة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سورة ثلاثون آية شفعت لقارئها، وهي {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1]». ومعلوم أنها ثلاثون آية غير البسملة.
وهل هي آية من أول الفاتحة وغيرها على سبيل القطع، أو على سبيل الحكم؟
فيه وجهان:
أحدهما من أصحابنا من قال: إنها آية من أول كل سورة قطعًا، كسائر القرآن.
وهذا القائل لا يقبل في إثباتها خبر الواحد، وإنما يثبتها بالنقل المستفيض؛ لأن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - نقلت إلينا هذه المصاحف، وأثبتوا فيها: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1]، ولم يكونوا يثبتون في المصحف شيئًا إلا ما يقطعون على كونه قرآنًا. ألا ترى أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (لولا أن يقال: إن عمر زاد في كتاب الله.. لكتبت آية الرجم على حاشية المصحف: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله ").
والثاني: منهم من قال: إني أثبتها قرآنًا، حكمًا على معنى: أنه يجب قراءتها في الصلاة، ولا تصح الصلاة إلا بها، ولا أقطع على كونها قرآنًا في أول كل سورة.
وهذا القائل يقبل في إثباتها خبر الواحد؛ لأن خبر الواحد يوجب العمل، ولا يوجب العلم، وهذا مثل ما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: «كان فيما أنزل الله من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس».
ولا خلاف على الوجهين: أن رادها ومثبتها.. لا يكفر، وأن تاركها.. لا يفسق؛ لحصول الشبهة في الاختلاف فيها. هذا مذهبنا.
وذهب مالك، والأوزاعي إلى: أنها ليست من القرآن، إلا في سورة [النمل]، فإنها بعض آية منها، وفي سائر السور إنما ذكرت تبركًا بها. ولا تقرأ في الصلاة إلا في قيام رمضان، فإنها تقرأ في ابتداء السورة بعد الفاتحة، ولا تقرأ في ابتداء الفاتحة.
وذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى: أنها ليست بآية من فاتحة الكتاب، وليست بشرط في صحة الصلاة؛ لأن القراءة لا تتعين عندهم، إلا أنه يستحب له قراءتها في نفسه سرًا.
واختلف أصحابه في مذهبه: فقال بعضهم: مذهبه كمذهب مالك، وأنها ليست من القرآن، إلا في [النمل]، فإنها بعض آية، وهو الظاهر من مذهبه.
وقال بعضهم: مذهبه: أنها آية في كل موضع ذكرت فيه، إلا أنها ليست بآية من السورة. ويختارون هذا، ويناظرون عليه.
دليلنا - أنها آية من فاتحة الكتاب وغيرها -: ما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا قرأتم فاتحة الكتاب.. فاقرؤوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ فإنها أم القرآن، والسبع المثاني، وإن: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] إحدى آياتها».
وروى أنس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أنزل علي آنفًا سورة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1]».

.[فرع: الجهر بالبسملة]

واختلف أهل العلم في الجهر بـ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] فيما يجهر به من الصلوات:
فذهب الشافعي إلى: أنه يجهر بها - بأول الفاتحة، وفي أول السورة - فيما يجهر به من القراءة في الصلاة، ويسر بها فيما يسر بالقراءة في الصلاة.
وروي ذلك عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس؛ وهي إحدى الروايتين عن عمر. وبه قال من التابعين: عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير.
وذهبت طائفة إلى: أنه يسر بها في كل صلاة.
وروي ذلك عن علي وابن مسعود، وهي إحدى الروايتين عن عمر، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، إلا أن أحمد يقول: (هي من القرآن، ولكن يسر بها).
وقال مالك، والأوزاعي: (لا تقرأ في الصلاة)؛ لأنها ليست من القرآن عندهما، إلا في (النمل)، فإنها بعض آية.
دليلنا: ما روى علي وابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يجهر بها في الصلاة، وبين السورتين».
وروى نافع، عن ابن عمر قال: «صليت خلف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وخلف أبي بكر، وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فكانوا يجهرون بـ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1]».

.[فرع: كيفية القراءة]

والمستحب: أن يقرأ قراءة مرتلة، من غير عجلة، ولا تمطيط. ويستحب ذلك لكل قارئ في الصلاة وغيرها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ} [المزمل: 4]. إلا أنه في الصلاة أشد استحبابًا؛ لأن القراءة تجب فيها دون غيرها.
قال الشافعي: (فإن أخل ببعض الفاتحة، أو بحرف من حروفها: إما ألف، أو لام، أو غير ذلك.. لم تجزئه صلاته).
قال أصحابنا: وكذلك إذا ترك بعض التشديد الذي فيها.. لم تصح صلاته. ولم ينص عليه الشافعي، ولكن أهل اللغة والعربية قالوا: التشديد يقوم مقام حرف؛ لأن كل موضع ذكر فيه التشديد، فإنه قد أدغم مكانه حرفًا، فإذا ترك التشديد.. فكأنه قد ترك حرفًا.
وفي الفاتحة أربع عشرة تشديدة:
الأولى: تشديدة اللام في: بسم الله.
الثانية: تشديدة الراء من: الرحمن.
الثالثة: تشديدة الراء من: الرحيم.
الرابعة: تشديدة اللام من: لله.
الخامسة: تشديدة الباء من: رب.
السادسة: تشديدة الراء من: الرحمن.
السابعة: تشديدة الراء من: الرحيم.
الثامنة: تشديدة الدال من: الدين.
التاسعة: تشديدة الياء من: إياك.
العاشرة: تشديدة الياء من: وإياك.
الحادية عشرة: تشديدة الصاد من: الصراط.
الثانية عشرة: تشديدة اللام من: الذين.
الثالثة عشرة: تشديدة الضاد من: الضالين.
الرابعة عشرة: تشديدة اللام الأخيرة من: الضالين.

.[فرع: ترتيب الفاتحة]

ويجب أن يقرأ الفاتحة على الترتيب، كما أنزلت. فإن بدأ فقرأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2].. لم تجزئه حتى يبتدئ بـ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1]؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فاقرؤوا، كما علمتم».
فإن قرأ آية على آية، أو حرفًا على حرف، أو قرأ في أثنائها من غيرها، فإن كان فعل ذلك عامدًا.. بطلت قراءته، واستأنفها، ولا تبطل صلاته، وإن كان ساهيًا.. لم تبطل قراءته، وعاد إلى الموضع الذي أخل بالترتيب فيه.
فإن قرأ آية منها مرتين، فإن كانت أول آية منها، أو آخر آية منها.. لم يؤثر ذلك. وإن كان في وسطها.. فالذي يقتضيه القياس: أنه كما لو قرأ في خلالها غيرها، فإن كان عمدًا.. بطلت قراءته، وإن كان ساهيًا.. بنى عليها.

.[فرع: من قدم على الفاتحة السورة أو سكت أثنائها]

فإن ابتدأ، فقرأ السورة، ثم قرأ الفاتحة.. قال الشافعي في "الأم" [1/95] (أجزأته). وإنما أراد: أن فاتحة الكتاب تجزئه دون السورة؛ لأنه قرأ السورة في غير موضعها، فكأنه لم يقرأها.
قال في "الأم" [1/95] (وإن سكت سكوتًا طويلاً ساهيًا، أو تعايا فقطع القراءة.. لم تبطل قراءته. وإن تعمد ذلك.. بطلت قراءته).
وإن نوى قطع القراءة، فإن سكت مع النية.. بطلت قراءته. وإن لم يسكت،
ومضى على قراءته.. لم تبطل؛ لأنه لو سكت عن القراءة عامدًا ولم ينو قطعها.. بطلت، فإذا نوى القطع مع السكوت.. أولى: أن تبطل. أما إذا نوى قطع القراءة، ولم يسكت.. لم تبطل؛ لأن الواجب عليه الإتيان بها، وقد أتى بها.
والفرق بينها، وبين الصلاة: أن الصلاة يجب في أولها القصد إلى فعلها، ثم يستديم حكم ذلك القصد، فإذا نوى قطعها.. بطلت. والقراءة لا يجب عليه القصد إلى فعلها، فلم تبطل بنية القطع من غير قطع.

.[فرع: قطع القراءة بتأمين ونحوه]

فإن فتح المأموم على غير الإمام، أو أجاب مؤذنًا في أثناء الفاتحة.. انقطعت قراءته. وإن فتح المأموم على الإمام، أو أمن بتأمينه، أو سجد للتلاوة في أثناء الفاتحة.. فهل تنقطع قراءته؟ فيه وجهان:
الأول: قال القفال، وأبو علي الطبري، والقاضي أبو الطيب: لا تنقطع قراءته بذلك؛ لأن هذا مأمور به، فلم يقطع القراءة.
قال ابن الصباغ: وكذلك إذا مرت به آية رحمة فسأل، أو آية عذاب فاستعاذ، أو قال الإمام: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40]. فيقول المأموم: بلى.. لم تنقطع قراءته بذلك.
والثاني: قال الشيخ أبو حامد: تنقطع قراءته ويستأنفها، إذا أمن بتأمين الإمام؛ لأن الشافعي قال: (لو عمد فقرأ فيها من غيرها.. استأنفها).

.[فرع: النطق في غير اللسان]

قال في "الأم" [1/95] (ولا يجزئه أن ينطق بصدره، ولا ينطلق به لسانه)؛ لأن عليه: أن يحرك بالقراءة لسانه، ويسمع نفسه. فإن لم يسمع نفسه لشغل قلبه.. أجزأه؛ لأنه قد قرأ بحيث يسمع نفسه.

.[مسألة:حكم التأمين]

فإذا فرغ من الفاتحة.. أمن، وهو سنة لكل من قرأ الفاتحة في الصلاة وغيرها، وهو أن يقول: (آمين)؛ لما روي عن وائل بن حجر: أنه قال: «سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ: {وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] فقال: آمين، ومد بها صوته» ومعناها: اللهم استجب، وفيها لغتان: أمين: بقصر الألف، وآمين: بمدها، والتخفيف فيهما.
وأنشدوا في المقصور:
تباعد عني فطحل إذ دعوته ** أمين فزاد الله ما بيننا بعدا.

وأنشدوا في الممدود:
يا رب لا تسلبني حبها أبدًا ** ويرحم الله عبدًا قال آمينا.

وأما بتشديد الميم: فإنهم: القاصدون، قال الله تعالى: {وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2]. أي: قاصدين.
وأما الجهر به: فإن كان في صلاة يسر بها.. أسر به المنفرد، والإمام، والمأموم؛ لأنه تابع للقراءة.
وإن كان في صلاة يجهر بها، فإن كان منفردًا، أو إمامًا.. جهر به؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أمن الإمام.. فأمنوا».
قال الصيمري: أي لا تتقدموا عليه بالتأمين.
وإن كان مأمومًا.. فهل يجهر به؟
ينظر فيه: فإن نسي الإمام التأمين، أو الجهر به.. جهر المأموم به؛ لينبه الإمام وغيره.
وإن جهر به الإمام.. فهل يجهر به المأموم؟
قال في الجديد: (لا يجهر به، بل يسمع نفسه).
وقال في القديم: (يجهر).
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: يجهر به؛ لما روي: (أنهم كانوا يؤمنون خلف ابن الزبير، حتى إن للمسجد للجة).
والثاني: لا يجهر به، كالتكبيرات.
ومنهم من قال: إن كان المسجد ضيقًا يبلغهم تأمين الإمام.. لم يجهر به المأموم، وإن كان كبيرًا لا يبلغهم تأمين الإمام.. جهر به المأموم. وحمل القولين على هذين الحالين. هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: (يؤمن الإمام والمأموم، ولكن يسران به).
وعن مالك روايتان:
إحداهما: (لا يؤمن الإمام، ويؤمن المأموم).
والثانية: (يخفيها الإمام).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أمن الإمام.. فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن بتأمين الإمام، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة.. غفر له ما تقدم من ذنبه».

.[فرع: تأخير التأمين وفصله والدعاء بما شاء]

قال الشافعي: (وإذا أخر التأمين عن موضعه.. لم يأت به فيما بعد).
وهذا كما قال: إذا قال المصلي: {وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] ولم يأت بالتأمين، ودخل في غيره.. لم يأت بالتأمين؛ لأنه سنة مرتبة في مكان، فإذا فات موضعها.. لم يقض؛ كالتشهد الأول إذا حصل في القيام.
قال الشافعي: (والإذن بالتأمين يدل على: أن لكل مصل أن يدعو في صلاته بما شاء وأحب من دين ودنيا، مع ما فيه من الأخبار والآثار)؛ لأن معناه: اللهم: افعل لي ما سألتك. فدل على: جواز الدعاء فيها.
والمستحب: أن لا يصل: {وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] بـ: " آمين "، بل يفصل بينهما بسكتة يسيرة؛ ليعلم أنه ليس من كلام الله تعالى.

.[مسألة:وجوب القراءة]

وتجب القراءة في كل ركعة. وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال مالك: (تجب القراءة في معظم الصلاة، فإن كانت رباعية.. قرأ في ثلاث منها، وإن كانت ثلاثية.. قرأ في ركعتين، وإن كانت ركعتين.. قرأ فيهما).
وقال أبو حنيفة، والثوري: (القراءة إنما تجب في الركعتين الأوليين، فأما الأخريان: فهو فيهما بالخيار، إن شاء.. قرأ، وإن شاء.. سبح، أو سكت. فإن لم يقرأ في الأوليين.. قرأ في الأخريين).
وقال الحسن، وبعض أهل الظاهر: تجب القراءة في الصلاة دفعة واحدة. وروي ذلك عن أحمد.
دليلنا: ما روي عن عبادة بن الصامت، وأبي سعيد الخدري: أنهما قالا: «أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة».
وروى رفاعة بن [رافع بن] مالك قال: «دخل رجل المسجد، فصلى بقرب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم جاء فسلم عليه، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أعد صلاتك؛ فإنك لم تصل فصلى لنحو ما صلى أولاً، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أعد صلاتك؛ فإنك لم تصل، فقال: يا رسول الله، علمني كيف أصلي، فقال: إذا قمت إلى الصلاة.. فكبر، ثم اقرأ فاتحة الكتاب وما تيسر، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا... وذكر الخبر، إلى أن قال: وهكذا فاصنع في كل ركعة».
ولأنها ركعة يجب فيها القيام، فوجبت فيها القراءة مع القدرة، كالركعة الأولى، وفيه احتراز ممن أدرك الإمام راكعًا.
وهل يقرأ المأموم؟ ينظر فيه:
فإن كان في صلاة يسر فيها.. قرأ المأموم.
وإن كان في صلاة يجهر فيها.. فهل تجب على المأموم قراءة الفاتحة؟ فيه قولان:
الأول: قال في القديم: (لا تجب عليه القراءة).
والثاني: قال في الجديد: (تجب عليه القراءة).
وقال أبو حنيفة: (لا تجب على المأموم القراءة، سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية). وروي ذلك عن ابن مسعود، وابن عمر، وأنس.
فمن قال بالقديم: احتج بما روى أبو هريرة قال: «صلى بنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة يجهر فيها بالقراءة، فلما فرغ من صلاته.. قال: هل فيكم من قرأ معي؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله، فقال: إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ ! قال: فانتهى الناس عن القراءة في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة خلف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منذ سمعوا ذلك منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».
ودليلنا - للقول الجديد -: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب».
وروى عبادة بن الصامت قال: «صلى بنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فالتبست عليه القراءة، فلما انصرف.. قال: إنكم تقرؤون خلفي إذا جهرت؟ فقال بعضنا: إنا لنصنع ذلك، فقال: لا تقرؤوا خلفي إذا جهرت، إلا بفاتحة الكتاب».
وأما الخبر الأول: فقيل: إن قوله: (فانتهى الناس...) من كلام الزهري، فلا حجة فيه. على أنه وإن صح.. فإنما أراد: انتهى الناس عن المنازعة بالجهر بالقراءة. وخبر عبادة أولى؛ لأنه أزيد ومثبت، والإثبات أولى.
فإذا قلنا: لا تجب على المأموم قراءة الفاتحة.. فهل يسن له: أن يتعوذ؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري في "العدة":
أحدهما: لا يأتي به، وبه قال أبو حنيفة كما لا يأتي بالفاتحة.
والثاني: يأتي به؛ لأنه شارك الإمام في الذكر الذي يسر به.